درس القديم لفهم الجديد

سليمان الفرزلي

sferzli2-e1781369476801 درس القديم لفهم الجديد
جلسة افتتاح مؤتمر أثينا (9 – 10 حزيران/ يونيو الجاري) حول أهمية درس الحضارات القديمة في فهم وتفسير مجريات الزمن الحاضر.

في أواخر السنة الماضية (2025)، قبل نحو ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، يوم 28 شباط (فبراير) الماضي، عزمتُ على كتابة المسلسل الذي نشرته مجلة “أسواق العرب” في 13 حلقة بعنوان “إشكالية السلم والحرب بين إيران والغرب”، إطاره العام تفسير ما يجري اليوم بين إيران والغرب في ضوء ما جرى في زمن الإمبراطوريات القديمة المتصارعة.

كانت الغاية من ذاك المسلسل، إظهار أوجه الشبه بين المرتكزات الأساسية للتنافس الحضاري والصراع العسكري بين إيران والغرب، من زمن الصراع بين إيران الإخمينية مع بلاد الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد، وهو الصراع الذي انتهى بسقوط الدولة الفارسية واحتلال أراضيها كاملة من قبل الفاتح الإغريقي الإسكندر المقدوني (330 قبل الميلاد)، ثم بعد ذلك الصراع الروماني (والبيزنطي تاليًا) مع الدولة الساسانية في بلاد فارس، وصولًا إلى الوقت الحاضر.

لكن الشيء الأهم في الصراع التاريخي بين إيران والغرب، حدثان فاصلان كتبا حتمية انتصار الغرب: أولهما، معركة سلاميس (480 قبل الميلاد) حيث هزمت زوارق أثينا الخفيفة، سفن الأسطول الفارسي الثقيلة، ومعها أساطيل حلفائها المصريين والفينيقيين على سواحل شرق المتوسط. وثانيهما، احتلال الجنرال الروماني بومبيوس الكبير لسوريا في عام 63 قبل الميلاد، وضمها إلى الجمهورية الرومانية كجُزءٍ منها مكتمل الأوصاف، ما استتبع وضع تحليل روماني للصراع مع الدولة الفارسية، وهو في اعتقادي، تحليلٌ ما زال ساريًا إلى اليوم، وقوامه مركزية سوريا في هذا الصراع.

إنَّ هذا التحليل الذي مضى عليه حتى الآن نحو 2000 سنة، يمكن اختصاره، بالنسبة إلى الصراع الدائر حاليًا في لبنان، كمشهد جانبي بالنسبة الى المتصارعين في الخارج، وكمشهدٍ أساسي بالنسبة الى غالبية اللبنانيين، بجملة واحدة، بناء على السوابق التاريخية المشار اليها، وهي“إن الجهة التي تخسر في سوريا لا يمكن أن تربح في لبنان”.

التاريخ بوصفه مفتاحًا لفهم الحاضر

أود ُّ أن أُشيرَ هنا الى أنني قبل المباشرة بكتابة مسلسل “إشكالية السلم والحرب بين إيران والغرب”، تشاورت مع زميل وصديق سابق حول الموضوع فأبدى اعتراضًا عليه مؤثرًا البحث في الإشكالية الشيعية في الحالة اللبنانية الراهنة، لأنها، في رأيه، مركز الاهتمام اللبناني العام في هذه الأيام. ومع أنَّ نشوب الحرب بين إيران والغرب بعد ذلك بأسابيع قليلة، أثبت عكس ذلك، فإنَّ المؤتمر العالمي الثاني حول أهمية درس الحضارات الكلاسيكية القديمة، كمرتكز أساسي لفهم تطورات الزمن الحاضر، الذي انعقد هذا الأسبوع في العاصمة اليونانية أثينا، (9 – 10 حزيران/يونيو الجاري)، أظهر، بما لا يقبل الشك، أنَّ فهمَ أيِّ حالة راهنة بمعزل عن جذورها التاريخية يبقى فهمًا ناقصًا، أو حتى خاطئًا.

لهذا قدَّمت كلمة “السلم” على كلمة “الحرب” في العنوان، بناءً على التحليل الروماني، الذي قضى بعدم جدوى خوض حرب شاملة مع إيران، والاكتفاء بمناوشات معها بهدف احتوائها (في إطار إبعادها عن سوريا). وما يؤكد هذا النهج المستدام، في إطار “نظرية حتمية انتصار الغرب”، الانتصار الأثيني المؤزر على الأساطيل الفارسية في معركة سلاميس البحرية السابق ذكرها، (راجع الحلقة الخامسة من “إشكالية السلم والحرب بين إيران والغرب” بعنوان “التوسعية الإيرانية: نمط ثابت ونهج متغير”).

بل إنَّ اعتبار السلام مع إيران هو القاعدة والحرب هي الاستثناء، بعد نحو ألف سنة من التوسُّع الفارسي الأكبر في مستهل الدولة الإخمينية، جرى تدوينه خطيًا بين الدولة الساسانية في بلاد فارس بقيادة الملك كسرى الأول (أنو شروان)، وبين الدولة البيزنطية بقيادة الإمبراطور يوستنيانوس الكبير، في عام 532م حيث أكد الجانبان رغبتهما في إقامة سلام دائم، فأطلقا على تلك المعاهدة اسم “معاهدة السلام الأبدي”!

مؤتمر أثينا وإحياء الحكمة الكلاسيكية

على أنَّ مؤتمر أثينا منذ أيام، يستحق التركيز عليه، لترسيخ مفهوم “درس القديم لفهم الجديد” في الكتابات والبحوث السياسية في المسائل والتطورات الكبرى في العالم. ويكتسب هذا المؤتمر أهمية مضاعفة لكونه يشكل مساهمة ثمينة في إخراج الحضارة الصينية، بما فيها من مخزون معرفي هائل، لكنه غير معروف كليًا في العالم الخارجي، من مخبئها وإدماجها في المجرى العام للمعارف العالمية.

ذلك أنَّ الصين، كانت الراعي الأول باستضافتها المؤتمر التأسيسي الأول في عاصمتها بكين، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2024. وقد انعقد المؤتمر الثاني، الذي نحن بصدده، في ألعاصمة اليونانية أثينا منذ أيام، بتنظيم مشترك بين الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ووزارة التربية والثقافة والسياحة في الصين من جهة، وبين وزارة الثقافة اليونانية وأكاديمية أثينا من جهة ثانية، تحت “فكرة الحوار بين القديم والجديد: إلهام معاصر من الحكمة الكلاسيكية القديمة”. وقد حضره نحو 200 من كبار الباحثين والكتاب يمثلون القارات الخمس: آسيا، وأوروبا، وأفريقيا، والأميركتين (الشمالية، والجنوبية).

تناولت أبحاث المؤتمر قضايا تتعلق بالحضارات القديمة، والعمل على تشجيع التبادل الأكاديمي، وبناء وفاق عالمي حول الدراسات الكلاسيكية. وقد عبَّر كثيرون من المشاركين في المؤتمر عن أهمية المخزون المعرفي الهائل الذي تركته لنا الحضارات القديمة، ما يشكّل إرثًا إنسانيًا مجيدًا، وحكمةً دائمةً، كانت، وما زالت، مصدر إلهام فكري، وغذاءٍ روحي، أسهم، ويُسهم، في بناء وتطوير صرح تقدم المجتمع الإنساني عبر التاريخ، وفي ازدهار ونمو كثير من بلدان المعمورة.

إنَّ المؤتمر الثاني للحوار الحضاري، المنعقد أخيرًا في العاصمة اليونانية، هو ثمرة اتفاق الصينيين واليونانيين في المؤتمر التأسيسي الأول الذي انعقد في العاصمة الصينية أواخر عام 2024، على العمل على إقامة شبكات عالمية لتشجيع التبادل والحوار في مضمار الدراسات الكلاسيكية. ويتضح ذلك من قرار في مؤتمر أثينا يقضي بتعزيز الدراسات الكلاسيكية القديمة، وتشجيع الحوارات المقارنة بين الحضارات عبر الأزمنة والأمكنة. وقد اعتبر المشاركون في المؤتمر أنَّ ذلك من الموجبات الجوهرية للحفاظ على التنوُّع الحضاري، والتعلم المتبادل بين الحضارات العالمية.

إضافة الى ذلك، يشكل هذا التوجه ممرًّا إلزاميًا نحو التجدُّد والتقدم الحضاري بما يجاري تطور الأزمنة. واعتبر نائب المدير العام لمكتب التعاون الدولي في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، أن أعمال المؤتمر تمثل شمولية كاملة للتنوع الحضاري العالمي من حيث التوزُّع الجغرافي والتنوُّع الأكاديمي. ويستدل على ذلك من استعراض سريع لأبرز المواضيع المطروحة للبحث، ويمكن إجمالها بالعناوين التالية:

  • تفسيرات معاصرة لقضايا قديمة
  • تشكل الأخلاق المجتمعية بفعل الاستمرارية بين الماضي والحاضر
  • الأمن والسلام: حلول حضارية للتغيرات العالمية
  • التكنولوجيا والحضارة: الروح الإنسانية في العصر الرقمي وزمن الذكاء الاصطناعي

يقول ليو زوكوي، مدير معهد التاريخ العالمي في الأكاديمية الصينية: “إن الدراسات الكلاسيكية لا تتعلق فقط بأفكار قديمة تستوجب التخصص البحثي، ولا هي مجرد ترف فكري، بل هي تتعلق بتفسير مشكلات العالم المعاصر في ضوء الحكمة المكتسبة من أقدم الأزمنة. وهذا يشمل بحث كيفية اكتشاف مكمن تفسير الحوادث المعاصرة من مسار التجارب الغابرة، كالحرب والسلم، والقوة والعدالة، والنظام والحرية، والتعارض بين مسالك التعلم المشترك للحضارات”. وعلى هامش المؤتمر، استضاف السيد زوكوي ندوة فرعية حول “السلام والنظام”.

كذلك قام المشاركون في المؤتمر بجولة في موقع “أنجيلوكاسترو” الأثري في اليونان، وهو أول مشروع أركيولوجي صيني – يوناني أقيم بالتعاون بين المدرسة الصينية للدراسات الكلاسيكية في أثينا، وبين المديرية العامة للآثار والتراث الثقافي في وزارة الثقافة اليونانية.

كل ذلك يستدعي السؤال التالي: لماذا يتوجب علينا أن ندرس عالمُا قام منذ آلاف السنين لكي نعرف كيف عاش وفكَّر الأقدمون من الإغريق والرومان والفرس والعرب وغيرهم من الشعوب؟

عن هذا السؤال أجاب يوشينغ هاو، الباحث المساعد في المدرسة الصينية للدراسات الكلاسيكية في أثينا، وفي الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية بقوله: “إن التحديات التكنولوجية المتسارعة في عالم اليوم، وما تحدثه من تغييرات سريعة في المجتمعات المعاصرة، والمزعزعة لها في بعض الحالات، جعلت درس العهود القديمة مصدرًا فكريًا مهمًّا، وملهمًا، للفهم المقارن ما يُسعفُ في توازن واستقرار وتحسين الحياة الإنسانية المعاصرة، من خلال استبيان نقاط القوة والضعف في كلٍّ من القديم والجديد”.