«تسامي جبران فوق «الفساد المطلق
«تسامي جبران فوق «الفساد المطلق
لهذا المقال قصة. عندما عزمت “لجنة تكريم جبران خليل جبران” في لندن على إقامة حفلة تكريمية كبرى، برعاية رئيس “المجلس الثقافي البريطاني”، اللورد بالومبو وزوجته السيدة حياة مروَّة، حُددت لها ليلة الثلاثاء في 19 تشرين الثاني من عام 1991، طلبت مني اللجنة أن أكتب مقالاً باللغة الإنكليزية للمجلة التي تضمَّنت برنامج الاحتفال. وقد حضر من لبنان الصحافي غسان تويني، الذي ألقى كلمة بالمناسبة، والشاعر أدونيس، الذي قرأ قصيدة لجبران. وضمن “رحلتي مع الزمن” أعيد نشر مقالي المذكور بالإنكليزية وترجمته بالعربية، وهكذا ستكون بالتوالي أعمالي المفقودة عند الحصول عليها.
من الشائع القول إن جبران خليل جبران هو أشهر أديب لبناني في الغرب، أو بالأحرى في العالم الناطق بالإنكليزية. فلا يكاد يوجد بيت يجيد القراءة في هذا العالم إلا وتعرّف إليه من خلال كتابه الأشهر النبي. هكذا حمل جبران اسم لبنان وأدخله إلى كل بيت في الغرب.
لكن هذا أيضاً ما فعله الخاطفون اللبنانيون في الآونة الأخيرة، وما فعله المغامرون المركنتيليون مقلّدين في ذلك الفينيقيين القدماء. وهنا ينتهي “التشابه” الذي انفصم جبران عنه قبل هجرته غرباً، فخلق بذلك تمايزاً مذهلاً بين أن تكون مشابهاً للشيء وبين أن تكون مثله.
فقد ندّد بأبناء بلده وأبناء ديانته بقوله: «لكم لبنانكم ولي لبناني، لكم دينكم ولي ديني». في نفيه لهذا التماثل يكمن سر تسامي جبران فوق الوجود المادي.
وكونه رجلاً رؤيوياً جعله يدرك أن هذا التسامي هو الطريق الوحيد لتحويل انعدام التماثل إلى فعل تحرّر. ذلك أن العقل المتسامي لا يستطيع أن يقبل سيادة التفاهة على الموهبة، وسيادة الجهل على المعرفة، والتعصب على التسامح، والكبرياء على التواضع، والغرور على الكرامة. فهذا، في عقله، هو “الفساد المطلق”.
إن بلوغ التحرّر عن طريق التسامي، في عرف جبران، هو كنه التنوير. فالمستنيرون وحدهم هم القادرون على إطاحة “الفساد المطلق”. وقد تجاوز في تساميه لبنان باتجاه المشرق، وتجاوز المشرق باتجاه الغرب، ليكتشف أن حضارة الغرب، على عظمتها، لا يمكن أن تكون الحد النهائي لرحلة التسامي.
بل إن هذا الحد لا يمكن أن يكون ما يُعرف بأنه “أممي” أو “عالمي”، بل هو أعمق من ذلك بكثير. ويمكن التعبير عن هذه الرؤية بكلام أقرب إلى المزمور:
“تكون حفنة برّ في الأرض في رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها، ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض.(المزمور 72: 16-17).
بل إن الحد النهائي للتسامي الذي ينشده لا يمكن أن يكون ما هو متعارف عليه بأنه «أممي» أو «عالمي». إنه كونيّ.
إنه رجل كونيّ… عضو منتسب إلى النظام الكوني الذي لا يحدّه الزمان.
The Transcendence of Gibran
by Sleiman Ferzoli
It is commonly said that Gibran is the best known Lebanese author in the West, or rather in the English speaking world. Seldom a literate household in this world is not acquainted with him through his most popular work The Prophet. By this, Gibran carried the name of Lebanon to almost every household in the West; but so also did the hostage takers of Lebanon of late, and so did the mercantile adventurers simulating the ancient Phoenecians.
Here ends the ‘sameness’ which Gibran broke with before his migration westward, thus creating a fascinating nuance between being the same and not similar. The same countrymen and the same co-religionists he assailed by saying: ‘you have your Lebanon and I have mine; you have your religion and I have mine’. In this dissimilarity lies the secret of Gibran’s Transcendence.
As a man of vision, he realised that transcendence is the only way to transform such dissimilarity into an act of liberation. For a transcendental mind cannot accept the supremacy of mediocrity over talent, of ignorance over knowledge, of bigotry over tolerance, of vanity over humility and arrogance over dignity. To him this is the absolute corruption.
The attainment of liberation by transcendence, to Gibran, is the theme of enlightenment. Only the enlightened can undo the absolute corruption. He transcended the Lebanon into the Levant, and the Levant into the West to discover that even the great civilisation of the West cannot be the final frontier of his transcendence. It can only be delicately worded like a Psalm of Solomon: ‘A handful of corn in the earth upon the top of the mountain; the fruit thereof shall shake like Lebanon; and they in the city shall flourish like grass in the earth; his name shall be continued as long as the sun’ (Psalm 72:16, 17).
Yet the final frontier of his transcendence is not even what may be casually called ‘international’ or ‘global’. It is cosmic.
A cosmic man, a fellow of the cosmic order beyond the tenses.
سليمان الفرزلي
19/11/1991